الشيخ السبحاني
425
بحوث في الملل والنحل
بأجمعهم من المعصومين . فإنّ أقصى ما يمكن أن يحتج به هو أنّ فعل الصحابة دليل على جواز الفعل ، وأمّا أنّ تركهم دليل على حرمته ، وعدم جوازه ، فمن عجائب الأُمور وغرائبها ، ولم يعهد هذا الاستدلال من أهل الفتوى والدليل . وأمّا عدول الصحابة عن التوسل بدعاء النبي في حال مماته ، إلى التوسل ببعض أهل بيته فقد ذكرنا وجهه ، وهو : أنّ التوسل بالإنسان الصالح الحي لأجل إظهار أن ذلك الفرد يتّحد مع المتوسلين في المصير ، وأنه لولا نزول الرحمة لعمَّهُ الهلاك والدمار مثلهم ، وبما أنه صالح لنزول الرحمة عليه ، فلتنزل رحمتك عليه يا رب فإنه أهل لذلك ، وإن كنا غير مستحقين لها . ومن المعلوم أنّ ترسيم هذا ، الّذي هو أحد الأسباب لاستنزال الرحمة ، إنما يتحقق بالصالح الحي دون غيره ، لأنّ غير الحي ليس متحداً في المصير مع الأحياء ، ولأجل ذلك نرى الصحابة يتوسّلون بالحي دون غيره ، وما هذا إلّا لأجل ذلك . وقد أشار إلى ذلك « السبكي » وقال : ليس في توسله بالعباس إنكار للتوسل بالنبي أو بالقبر ، ولعل توسل عمر بالعباس لأمرين : أحدهما : ليدعو كما حكينا من دعائه . الثاني : إنَّه من جملة من يستسقي وينتفع بالسقيا وهو محتاج إليه ، بخلاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الحالة فإنه مستغن عنها ، فاجتمع في العباس الحاجة وقربه من النبي وشيبه ، واللّه يستحيي من ذي الشيبة المسلم ، فكيف